فخر الدين الرازي
76
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
واعلم أنه تعالى قرن إلزام بر الوالدين بعبادته وتوحيده في مواضع : أحدها : في هذه الآية ، وثانيها : قوله : وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً [ الإسراء : 23 ] وثالثها : قوله : أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ [ لقمان : 14 ] وكفى بهذا دلالة على تعظيم حقهما ووجوب برهما والإحسان إليهما . ومما يدل على وجوب البر إليهما قوله تعالى : فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُما وَقُلْ لَهُما قَوْلًا كَرِيماً [ الإسراء : 23 ] وقال : وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْناً [ العنكبوت : 8 ] وقال في الوالدين الكافرين : وَإِنْ جاهَداكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما وَصاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفاً [ لقمان : 15 ] وعن النبي صلى اللَّه عليه وسلم أنه قال : « أكبر الكبائر الإشراك باللَّه وعقوق الوالدين واليمين الغموس » و عن أبي سعيد الخدري رضي اللَّه عنه : أن رجلا جاء إلى النبي صلى اللَّه عليه وسلم من اليمين استأذنه في الجهاد ، فقال عليه السلام : « هل لك أحد باليمن فقال أبواي فقال : أبواك أذنا لك فقال لا فقال فارجع واستاذنهما فان أذنا لك فجاهد وإلا فبرهما » . واعلم أن الإحسان إلى الوالدين هو أن يقوم بخدمتهما ، وألا يرفع صوته عليهما ، ولا يخشن في الكلام معهما ، ويسعى في تحصيل مطالبهما والانفاق عليهما بقدر القدرة من البر ، وأن لا يشهر عليهما سلاحا ، ولا يقتلهما ، قال أبو بكر الرازي : إلا أن يضطر إلى ذلك بأن يخاف أن يقتله أن ترك قتله ، فحينئذ يجوز له قتله ، لأنه إذا لم يفعل ذلك كان قد قتل نفسه بتمكين غيره منه ، وذلك منهي عنه ، روي أن النبي صلى اللَّه عليه وسلم نهى حنظلة بن أبي عامر الراهب عن قتل أبيه وكان مشركا . النوع الرابع : قوله تعالى : وَبِذِي الْقُرْبى وهو أمر بصلة الرحم كما ذكر في أول السورة بقوله : وَالْأَرْحامَ [ النساء : 1 ] . واعلم أن الوالدين من الأقارب أيضا ، إلا أن قرابة الولاد لما كانت مخصوصة بكونها أقرب القرابات وكانت مخصوصة بخواص لا تحصل في غيرها ، لا جرم ميزها اللَّه تعالى في الذكر عن سائر الأنواع ، فذكر في هذه الآية قرابة الولاد ، ثم أتبعها بقرابة الرحم . النوع الخامس : قوله : وَالْيَتامى واعلم أن اليتيم مخصوص بنوعين من العجز : أحدهما : الصغر ، والثاني : عدم المنفق ، ولا شك أن من هذا حاله كان في غاية العجز واستحقاق الرحمة . قال ابن عباس : يرفق بهم ويربيهم ويمسح رأسهم ، وإن كان وصيا لهم فليبالغ في حفظ أموالهم . النوع السادس : قوله : وَالْمَساكِينِ واعلم أنه وان كان عديم المال إلا أنه لكبره يمكنه أن يعرض حال نفسه على الغير ، فيجلب به نفعا أو يدفع به ضررا ، وأما اليتيم فلا قدرة له عليه ، فلهذا المعنى قدم اللَّه اليتيم في الذكر على المسكين ، والإحسان إلى المسكين اما بالإجمال اليه ، أو بالرد الجميل . كما قال تعالى : وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ [ الضحى : 9 ] . النوع السابع : قوله : وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى قيل : هو الذي قرب جواره ، والجار الجنب هو الذي بعد جواره . قال عليه الصلاة والسلام : « لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه ألا وان الجوار أربعون دارا » وكان الزهري يقول : أربعون يمنة ، وأربعون يسرة ، وأربعون أماما وأربعون خلفا . وعن أبي هريرة قيل : يا رسول اللَّه ان فلانة تصوم النهار وتصلي الليل وفي لسنانها شيء يؤذي جيرانها ، أي هي سليطة ، فقال عليه الصلاة